أحمد بن علي القلقشندي

83

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحكم المسطور ، لم نزل نتوجّه إلى اللَّه تعالى في مظانّ قبول الدّعاء ، ورفع النّداء ، بأن يجبركم بفضله من حيث صدع ، ويصلكم بخيره إثر ما قطع ، ويعطيكم من نعمته أضعاف ما منع ، إلى أن دارك اللَّه بلطفه وأجاب ، وتأذن بفضله في قبول الدعاء بظهر الغيب وهو مستجاب ، فردّ عليكم ملككم ، وصرف إليكم ملككم ، فأخذ القوس باريها ، وفوّق ( 1 ) السهم مقرطسها وراميها ، وأنفذ القضايا حكمها ومفتيها ، وإذا كان العويل يفضي إلى النّجدة ، والبلا يقضي بالجدّة ، والفرج يدافع في صدر الشّدّة ، فلا جرم غفر اللَّه للأيّام ما اقترفت ، لمّا أنابت واعترفت ، وهل هو إلَّا التمحيص الإلهيّ أراكم اللَّه من باطن الضّرّاء سرّاءكم ، وأجزل من جانب الغمّاء ( 2 ) نعماءكم ، والتّبر بعد السّبك يروق النواظر خلاصة نضاره ، والبدر بعد السّرار تتألَّق أشعّة أنواره . ولما جاءنا بنصركم البشير ، وطلع من ثنيّة الهناء بأكمام السّرور إلينا يشير ، هززنا له أعطاف الارتياح ، وتلقينا منه وارد التّهاني والأفراح ، وحمدنا اللَّه لكم على ما منّ به من الفوز والنّجاح ، ورأينا أنّ تهنئتكم به من فروضنا المؤكَّدة ، وعهودنا المجدّدة ، وأنه لا يقوم به عنّا هنالكم ، ويؤدّي ما يجب منه بين يدي كرسيّ جلالكم ، إلَّا من له من ديار الملوك ، قرب الأدب والسّلوك ، فاقتضى نظرنا الجميل أن عيّنّا له شيخ دولتنا المستشار ، وعلمها الذي في مهمّاتها إليه يشار ، فلان . وقد كان منذ أعوام يتطارح علينا في أن نخلَّي للحجّ سبيله ، ونبلَّغه من ذلك مأموله ، ويد الضّنّة لا تسمح به طرفة عين ، ونفس الاغتباط لا تجيب فيه دواعي البين ، إلى أن تعيّن من تهنئتكم الكريمة ما عيّنه ، وسهّل شأنه علينا وهوّنه ، فوجّهناه واللَّه تعالى يسعد وجهته ، ويجعل حجّته لقبول الأعمال حجّته . وحمّلناه من أمانة الحبّ ما يلقي إليكم ، ومن حديث الشّوق ما يقصّ أخباره عليكم ، ومن طيّب الثّناء ما يفضّ ختامه بين يديكم ، وأصحبناه برسم إصطبلاتكم الشريفة ما

--> ( 1 ) أي عمل له فوقا ، والفوق هو مشقّ رأس السهم حيث يقع الوتر . لسان العرب ( فوق ) . ( 2 ) الغمّاء والغمّ والغمّة : الكرب . لسان العرب والقاموس المحيط ( غمم ) .